01 02 03 04 05
 

أوصاني خليلي

 

 

قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه : " أَوصَاني خَلِيلِي بخِصَالٍ مِنَ الخَيرِ أَوصَاني بحُبِّ المسَاكِينِ والدُّنُوِّ مِنهُم " أي الاقترَابِ مِنهُم، كانَ رسولُ اللهِ مِن شِدّةِ شَفقَتِه ورَحمَتِهِ للمؤمِنينَ أنّه إذَا لم يَر بَعضَ أصحَابِه بُرهَةً مِنَ الزّمَن يَتفَقّدُه، حتى أنّه قِيلَ لهُ عن رجُلٍ غَريبٍ مؤمنٍ فَقيرٍ حِينَ سَألَ عَنه قيلَ لهُ إنّهُ تُوفي، فذَهَبَ إلى قَبرِه وصَلّى عَليهِ، سأَلَ عن قَبرِه أَينَ دُفِنَ فدُلَّ عَليهِ فصَلّى عَليهِ .

 

إلى هَذا الحَدِّ كانَ يحِبُّ المسَاكِينَ ويَعتَني بهِم وهَذا مَا كانَ إلا رجُلا مؤمِنًا مِسكِينًا كانَ غَرِيبًا .

 

قال أبو ذرٍّ : " وأَوصَاني أَن أَنظُرَ إلى مَن هوَ دُوني ولا أَنظُرَ إلى مَن هُوَ فَوقِي " أي في أُمورِ الدُّنيا أي لا يَنظُر إلى أُمُورِ الأغنياءِ بل يَنظُر إلى الفُقَراءِ، فإذَا نَظَر إلى الأغنِياءِ يَحتَقِرُ نِعمَةَ اللهِ التي أَنعَمَها علَيهِ ويَصِيرُ عِندَه جَشَعٌ فلا يَشكُرُ اللهَ تَعالى، لأنّ تَفكِيرَهُ تَشَتّتَ في أَموالِ الأغنياءِ يُفَكِّرُ كَيفَ يَصِيرُ مِثلَ هؤلاءِ فَينهَمِكُ في أُمورِ الدُّنيا حتى يَصير يجمَعُ المالَ بالحَرام لا يُبالي فَهَمُّه أن يجمَعَ، أمّا إذَا نظَرَ إلى مَن هُوَ دُونَه أي أَفقَرَ مِنهُ يَزدَادُ شُكرًا للهِ تَعالى ويكونُ ذلكَ أَعْوَنَ لهُ على الإحسانِ بما يَستَطِيعُ لمن هُوَ أَحوَجُ مِنهُ.

 

فقَد ورد في الحديثِ الصحيح أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ : " سَبقَ دِرهَمٌ مائةَ ألفِ دِرهَم، قيلَ وكيفَ ذلكَ يا رسولَ اللهِ ؟ فقال " رَجلٌ لهُ دِرهمَانِ " أي لا يملِكُ غَيرَهُما " فتَصدّقَ بأَحدِهمَا ورَجُلٌ تَصدَّقَ بمائةِ أَلفٍ مِن عُرضِ مَالِهِ "رواه النسائي. فبِمَا أنّ هذا الإنسانَ لا يملِكُ مِنَ النّقُودِ إلا دِرهَمَين أخرَجَ دِرهمًا واحِدًا ابتغاءَ الفَضلِ مِنَ اللهِ كانَ ثوابُ هذَا الدِّرهَم الواحِد أعظَم مِن ثَوابِ الغَنيّ الذي تصَدّقَ بمائةِ ألفٍ والمائةُ ألفٍ بالنّسبةِ لمالِه قَليلٌ مِنْ كَثِير.

 

 

والله سبحانه تعالى أعلم وأحكم